ابن الجوزي
224
صفة الصفوة
إلى مكة وما يمنعني من ذاك إلا أني أخاف أن أملّك أو تملّني . قال : فلما ودّعته قلت : يا أبا عبد اللّه توصيني بشيء ؟ قال : نعم ألزم التقوى قلبك ، وألزم الآخرة أمامك . وقال أبو داود السجستاني : كانت مجالسة أحمد بن حنبل مجالسة الآخرة ، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا . ما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قطّ . وعن أحمد بن عتبة قال : لما ماتت أم صالح قال أحمد لامرأة عندهم : اذهبي إلى فلانة ابنة عمي فاخطبيها لي من نفسها . قال : فأتتها فأجابته . فلما رجعت إليه قال : كانت أختها تسمع كلامك قال : وكانت بعين واحدة - قالت له : نعم قال : فاذهبي فاخطبي تلك التي بعين واحدة فأتتها فأجابتها وهي أم عبد اللّه . فأقام معها سبعا ثم قالت له : كيف رأيت يا ابن عم أنكرت شيئا ؟ قال : لا إلا أن نعلك هذه تصرّ . وعن إبراهيم الحربي قال : كان أحمد بن حنبل يأتي العرس والختان والإملاك ، يجيب ويأكل . وعن إسحاق بن راهويه قال : لما خرج أحمد بن حنبل إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة ، فأكرى نفسه من بعض الجمّالين ، إلى أن وافى صنعاء ، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة فلم يقبل من أحد شيئا . وعن الرمادي قال : سمعت عبد الرزاق - وذكر أحمد بن حنبل فدمعت عيناه - فقال : قدم وبلغني أن نفقته نفدت فأخذت عشرة دنانير وأقمته خلف الباب ، وما معي ومعه أحد ، وقلت : إنه لا تجتمع عندنا الدنانير وقد وجدت الساعة عند النساء عشرة دنانير فخذها فأرجو ألّا تنفقها حتى يتهيأ عندنا شيء . فتبسم وقال لي : « يا أبا بكر لو قبلت شيئا من الناس قبلت منك » . ولم يقبل . وعن صالح بن أحمد قال : جاءتني حسن فقالت : يا مولاي قد جاء رجل بتلّيسة فيها فاكهة يابسة وبهذا الكتاب قال صالح : فقمت فقرأت الكتاب فإذا فيه : يا أبا عبد اللّه أبضعت لك بضاعة إلى سمرقند فوقع فيها كذا وكذا ، ورددتها فيها